الشيخ محمد رشيد رضا
345
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عامر وحفص « لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ » بالتاء والرفع ، ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عنه بالتاء والنصب ، والباقون « لم يكن فتنتهم » بالياء والنصب . ولا فرق بين هذه القراءات في المعنى فان بعضها يقدم اسم تكن عليها وبعضها يؤخره . وبعضهم يذكّر الفعل وبعضهم يؤنثه ، وكل ذلك جائز في العربية . وقرأ حمزة والكسائي « ربَّنا » بالفتح على النداء أي يا ربنا . والباقون بالجر على الصفة . والفتنة الاختبار وفسرت هنا بالقولة والكلام والجواب وبالشرك ، وقدر بعضهم مضافا محذوفا فقال : ان المعنى ثم لم تكن عاقبة هذا الاختبار أو الشرك الا اقسامهم باللّه يوم القيامة إنهم ما كانوا مشركين . ظاهر الآية انهم ينكرون في بعض مواقف الحشر شركهم باللّه توهما منهم ان ذلك ينفعهم أي ويعترفون به في بعضها كما يعلم من آيات أخرى ، واستشكل بعض المفسرين هذا المعنى ، واحتجوا بأن الانكار في القيامة متعذر وبأن اعترافهم بالشرك ثابت في بعض الآيات كقوله تعالى حكاية عنهم ( 16 : 87 هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ ) وقوله ( 4 : 42 وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) وروي أن ابن عباس سئل عن الآية وعن قوله تعالى ( وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) فقال : أما قوله ( وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فإنهم لما رأوا انه لا يدخل الجنة الا أهل الاسلام فقالوا تعالوا لنجحد ( قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ( وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) وذهب بعضهم إلى أن المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا لأننا ما كنا ندعو غيرك استقلالا بل توسلا إليك ليكون من ندعوهم شفعاء لنا عندك يقربوننا إليك زلفى ، لأننا كنا نستصغر أنفسنا ان تتسامى إلى دعائك كفاحا بلا واسطة وما هذا الا تعظيم لك . * * * وقد أورد على هذا التفسير انه لا يلتئم مع قوله بعد هذه الحكاية عنهم انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وأجيب عن الايراد بأن المراد أنهم كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا بزعمهم انهم اتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند اللّه وأن هذا تعظيم للّه لا كفر به . ويرد هذا القول تصريح مشركي قريش بأن ما كانوا عليه شرك ولكن بعضهم كان يرى أنه لا بأس به لأنه بمشيئة اللّه ، وهؤلاء كجبرية المسلمين ، وقد أنكر القرآن عليهم هذه الشبهة في قوله من هذه السورة ( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ ما أشركنا ) الخ نعم ان كثيرا ممن « تفسير القرآن الحكيم » « 44 » « الجزء السابع »